محمد جواد مغنية

84

عقليات إسلامية

مستقبل لم يحضر بعد أمام البصر ، أو إلى ماض ذهب وانقضى ولم يعد مرئيا مشهودا . . فإذا لم يكن ذلك فلا عقل » « 1 » . ومعنى هذا أن من لا يؤمن باللّه لا لشيء إلا لأنه لم يره بالذات فلا عقل له ، لأن مهمة العقل أن يرشدنا إلى ما لا يمكن ادراكه بالحس والتجربة وان يحذرنا مما تخبئه الأيام ، وينفعنا برؤيته وموعظته . . والذكي الألمعي هو الذي يفهم من الإشارة ، ويدرك المغيبات من القرائن ، ويؤمن بها حتى كأنها مجسدة أمام عينيه . وقديما قال الشاعر العربي : الألمعي الذي يظن بك الظن * كأن قد رأى وقد سمعا خطأ التفسير الميكانيكي للكون : وأجاب المؤمنون عن الاعتراض الثاني ، وهو التفسير الميكانيكي والتولد الذاتي ، أجابوا بأن المادة جامدة عمياء لا روح فيها وشعور ، ولا وعي وادراك فكيف نظمت نفسها بنفسها ، وقدرت كل شيء في الكون تقديرا على سنن ثابتة ونواميس محكمة ؟ . . وحاول الماديون أو الكثير منهم حل هذه المشكلة بفرض ضروري عندهم حدسا وتخرصا ، وهو أنه - في بداية ذي بدء وقبل أن يوجد الكون على وضعه الحالي - كان هناك أثير ساكن راكد يملأ أطراف الفضاء . . ثم حدثت حركة قوية فجأة ومن باب الصدفة ، واستمرت ملايين السنين ، ومن هذه الحركة

--> ( 1 ) كتاب تجديد الفكر العربي للدكتور زكي نجيب محمود ، الفصل السابع قيم باقية من تراثنا .